أرسطو

21

علم الأخلاق إلى نيقوماخوس

غير حاصل البتة - فإنها تكون العلاقة الأدبية الكافية ، هي العلاقة بين النفس وبين اللّه . وبقطع النظر عن القوانين الخارجية فقد كان للانسان قانون داخلي محض يزعه . فإلى أي حد بقي مخلصا لهذا القانون ؟ إنه هو نفسه لا يعرف هذا الحدّ مهما كان إخلاصه لضميره . إن ذكرى أكثر أفكاره ومقاصده حتى أوقرها في نفسه تتلاشى كل لحظة في ذهنه . ولو شاء أن يحكم لحياته الخاصة أو عليها بمحض التنزه وعدم التحيز إلى الأغراض ، لما استطاع إلى ذلك سبيلا . ومع ذلك لا بد من أن يقدّر هذه الحياة مقدّر ، وإلا لكانت الحياة لغزا مقطوع النظير ، ولكاد الانسان لا يكون إلا وحشا مخيفا . فعلم الأخلاق بمجاوزته هذه الحياة الأرضية يتجه من الانسان إلى اللّه ، ويثبت وجود الحياة الآخرة بما فيها من الثواب والعقاب كما يؤكد نظام هذه الحياة الدنيا . ليست هذه فروضا محضة لا سند لها ، ولا هي من مسلمات العقل العملي ، كما قد يقول « كنت » بلهجته الشاذة ، بل هي نتائج صادقة لازمة عن مقدّمات صادقة لا جدال فيها . وفوق ذلك فان هذه النظريات في غاية الوفاق مع الاعتقادات الغريزية للجنس البشرى ، تؤيدها الديانات المبينة وتوضحها الفلسفة . متى وصل علم الأخلاق إلى هذا الحدّ ، فإنه يكون قد وصل إلى أكبر اختصاصه وأدّى وظيفته بتمامها ، فلم يبق عليه بعد إلا أن يبين كيف إن الانسان الخاضع لقانون من الطهر والتسامح على ما وصفنا يخالف هذا القانون ، وأن يفسر من أين يتولد فيه هذا التنازع الذي ينهزم فيه على الغالب ، وهذا العصيان الذي فيه خسرانه . العقل يرى الخير ويفهمه ، والحرية تأتى الشر غالبا ، فكيف يمكن هذا السقوط ؟ إن سببه لبيّن ، وإن الانسان لغني عن أن يستقصى حركات نفسه زمنا طويلا لاستكشافه .